المنجي بوسنينة
28
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
المتعددة القوميات . وفي دراسته لأسباب تخلف العثمانيين ، رد الحصري هذا التخلف إلى الرجعية الدينية والمعتقدات الخرافية البعيدتين عن الإسلام الحقيقي ، كما رده إلى الافتقار إلى العزيمة والمثابرة والجهد المنهجي الدائب لدى العثمانيين . وقد أجمل آراءه في الإصلاح العثماني في محاضرات خمس ألقاها في « دار الفنون » ( جامعة إسطنبول ) إبان حروب البلقان ، ونشرت سنة 1913 بعنوان « من أجل الوطن » . واصل الحصري عمله التربوي أثناء الحرب العالمية الأولى في إسطنبول . وعلى الرغم من اتصال المثقفين العرب به في العاصمة العثمانية ، فقد تجنب الانخراط في العمل العربي العلني والسري . ولما اقترح صديقه عبد الكريم الخليل ، أمين سر المؤتمر العربي الذي عقد بباريس سنة 1913 ، علي طلعت باشا أن يتولى ساطع منصب المستشار لوزير المعارف ، وهو منصب استحدث لإرضاء العرب ، رفض ساطع العرض ، تجنبا لارتباطه بالحركة القومية العربية ، والتزاما منه بالانتماء العثماني . ولا شك أنه تأثر من الإجراءات الأمنية القاسية التي اتخذها الوالي أحمد جمال باشا في سوريا ، أثناء الحرب العالمية الأولى ، والتي أسفرت عن شنق بعض أصدقائه العرب ومنهم عبد الكريم الخليل . ولما انتهت الحرب سنة 1918 ، عاش الحصري فترة عصيبة من حياته موزعا بين إخوانه العرب في دمشق الذين يدعونه إلى القدوم إليها ، وأصدقائه الأتراك الذين يصرون على بقائه في إسطنبول . وأخيرا اختار المجيء إلى دمشق في حزيران يونيو 1919 . وفي العاصمة السورية ، تجنب الحصري الانضمام إلى الأحزاب والتنظيمات السياسية . وعين أول الأمر ، مديرا للمعارف ، ثم أصبح وزيرا للمعارف عند إعلان سوريا مملكة مستقلة على رأسها فيصل بن الحسين في 8 / 3 / 1920 . وقد حاول ساطع أن يعرّب التعليم باستعمال اللغة العربية في جميع مدارس المملكة . وتوثقت صلاته بفيصل ، وقامت بينهما علاقة مودة واحترام . غير أن المملكة السورية الفتية لم تعمر سوى بضعة أشهر ، إذ اجتاحت القوات الفرنسية البلاد وسقطت العاصمة السورية بأيديها في 24 / 7 / 1920 . وخرج فيصل من سوريا ولحق به الحصري ، واتجها إلى بورسعيد ثم أبحرا إلى روما فنابولي ، ومنها توجه الحصري إلى إسطنبول سعيا إلى كسب نصرة الكماليين الأتراك لفيصل على الفرنسيين . وقضى ثلاثة أسابيع في عاصمة السلطنة دون جدوى . وعاد إلى إيطاليا حيث قابل فيصل ، ثم غادرها إلى القاهرة ، وقرر أن يربط مصيره بفيصل ، بعد أن رفض دعوات المنفيين السوريين بالذهاب إلى عمان أو العودة إلى أوروبا للدعاية ضد فرنسا . وتلقى دعوة للقدوم إلى بغداد في تموز / يوليو 1921 ، فتوجه إليها ليبدأ مرحلة جديدة من حياته . ابتعد الحصري عن العمل السياسي في بغداد ، وفضّل التفرّغ للتربية والتعليم ، وتولّى منصب المدير العام للمعارف ، وهو منصب دائم . وجعل نصب عينيه تطوير التعليم في العراق وتحديثه ، وتقوية الشعور الوطني والانتماء القومي في نفوس أبنائه ، وبث الإيمان بوحدة الأمة العربية . وكان في عمله التربوي مجدّدا